السيد حسن القبانچي

64

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

النفس والموت الموت حادث طبيعي لا بد منه ولا مفرّ عنه ، ولا بقاء إلا لمن خلق الموت والحياة ، فهو وحده الحي الذي لا يموت ، وإليه المصير ، ولكن ما هو الموت ؟ هل هو مفارقة النفس للبدن ، وقطع العلاقة بينه وبينها ، وانتقالها عنه مع بقائها سالمة كاملة ، أو أنها تفسد بفساده ، وتنحل بانحلاله ، ولا يبقى لها بعد الموت عين ولا أثر تماما كما ينطفئ النور في المصباح . وبديهة أن هذا التساؤل لا يهمّ الماديين في شيء ، لأنهم ينكرون الروح إطلاقا ، بل أنكر ( أبيقور ) الموت بالمرة ، حيث قال : « ما دمنا أحياء فلا موت ، وإذا متنا فلا حياة » . وإنما يخص هذا التساؤل القائلين بتجرد النفس مستقلة بحقيقتها وأفعالها كغيرها من الموجودات . والحق الذي نؤمن به وندين أنها لا تموت بموت البدن ، ولا تفسد بفساده ، وإنما تتركه إلى عالم آخر ، ولكن من أين نتبين ذلك ؟ هل نتبينه بالعقل والقياس المنطقي ، أو بالوحي من كتاب ، أو سنة ثابتة ؟ . وعلى افتراض أن الدليل المعتمد هو العقل ، فهل يحكم العقل ببقاء النفس ابتداء كما يحكم بثبوت الصانع ، أو أن حكمه منوط بفكرة الثواب والعقاب ، أو الميل الغريزي إلى البقاء والخلود ، ذهب إلى كلّ فريق ، وإليك أدلة الجميع : قال الذين اعتمدوا الوحي : إن فساد البدن لا يوجب فساد النفس أما تدبيرها له ، وتصرفها فيه فلا يستدعي الملازمة بينهما نفيا ولا إثباتا ، وعليه فلا بد لإثبات البقاء من دليل ، ولا دليل سوى نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وهي من الكثرة ما لا يبلغه الإحصاء ، من ذلك قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ